تقارير الجُمان



SocialTwist Tell-a-Friend
22/03/2008

الورقة المقدمة من ناصر النفيسي (مدير عام مركز الجُمان) لمؤتمر تطوير السوق الرأسمالي في الكويت المنعقد في 16/3/2008



ورقة مقدمة من : ناصر سليمان النفيسي

المدير العام – مركز الجُمان للاستشارات الاقتصادية

لمؤتمر تطوير السوق الرأسمالي في الكويت (مشروع هيئة سوق المال)

المقرر عقده في الكويت الأحد الموافق 16/03/2008

الجهة المنظمة : شركة مركز إكسبرت العالمي للاستشارات والتدريب

موضوع  الورقة :"بورصة الكويت ... إشكالات وحلول "


مقدمة

     تمر أسواق المال الناشئة - ومنها سوق المال الكويتي -بمراحل تطور جذرية ، وعادة ما يصاحب تلك المراحل إشكالات وسلبيات وأخطاء أيضا ، وهذا أمر طبيعي لا يمكن تفاديه إطلاقاً ، لكن الملاحظ فيما يتعلق بسوق الكويت للأوراق المالية ، هو كثرة الإشكالات والثغرات والأخطاء ، بالمقارنة مع الأسواق الناشئة الأخرى ،  والتي تعتبر البورصة الكويتية ناضجة  نسبياً بالمقارنة معها ،  ومثل ذلك أسواق المال الخليجية أو الشرق أوسطية عموماً ، حيث نعتقد أن تأخر تنظيم سوق المال الكويتي ليس له ما يبرره من الناحية الموضوعية ،  نظرا لعراقة ذلك السوق ، ومروره بالعديد من الأزمات التي يفترض أنها ساعدت في نضوجه إلى درجة كبيرة ،  ولا شك بوجود عدة معوقات تحول دون تطور سوق المال الكويتي ، إلا أن المجال هنا ليس مناسبا لتعدادها وسردها ،  لكننا سنركز على معوق رئيسي ، وهو عدم وجود هيئة لسوق المال الكويتي .

    ولا يخفى على أحد أهمية وجود هيئة مستقلة لتنظيم إصدار الأوراق المالية وتداولاتها والرقابة  عليها ، وهذا ما تفتقده دولة الكويت حالياً ، والمؤمل وجوده في القريب العاجل ، بما يلبي طموحات الغيورين والحريصين على مصلحة البلاد ، على اختلاف مواقعهم ، وبما يدعم الاقتصاد الوطني ، من حيث المحافظة على مكتسباته وتطويره والارتقاء به إلى مصاف اقتصاديات الدول المتقدمة خلال فترة زمنية معقولة ، وبما يكفل أيضا ريادة الكويت مجدداً لدول المنطقة في المجال الاقتصادي ، والمجالات الأخرى كذلك ، وذلك عندما كنا رواداً في العديد من المجالات خلال عقدي الستينات والسبعينات ، حيث إن الوضع الحالي  -وإن كان غير إيجابي  - فإنه لا يجب أن يثنينا عن بذل المزيد من الجهد ،  والإخلاص في النوايا والجدية بالعمل ، في سبيل  استعادة رياداتنا ، والذي لا يبدو أمرا مستحيلا ، وذلك إذا ما تم الأخذ بأسباب النجاح والتفوق .

 

صغار المستثمرين.. وأهمية وجود هيئة سوق المال

      ولقيام هيئة سوق المال بالشكل والمضمون المطلوبين ، كثير من الغايات ، لن نستطيع سردها في هذا المقام ، ولكننا سنركز على ما قمنا بالحث على الاهتمام به من جانب المنظمين للمؤتمر ، وهو حماية صغار المستثمرين ، والذين تدفقوا على سوق المال الكويتي بوتيرة متسارعة وكبيرة في منتصف عقد التسعينات ، وذلك عندما أتيحت لهم الفرصة للاكتتاب في الأسهم المدرجة المملوكة للدولة بأسعار تفضيلية ، حيث اشتهرت تلك الحقبة ببيع حصص رئيسية في عدة شركات مدرجة بطريقة المزاد ، على أن يتم تخصيص جزء من الحصة المباعة لاكتتاب المواطنين ، وقد استغرقت تلك الحقبة خمس سنوات تقريباً (من 1994 حتى 1998) ، والتي جذبت عشرات الآلاف من صغار المستثمرين الأفراد ، وذلك من قبيل الاستفادة من السعر التفضيلي للأسهم المباعة لهم ، ناهيك عن الرواج الملحوظ في سوق المال خلال تلك الفترة ، كما يجب أن لا نغفل دور المشاركة الحكومية في تأسيس شركات المساهمة العامة من خلال جذب أعداد متزايدة من المواطنين إلى سوق المال ، وذلك مثل الوطنية للاتصالات ، بنك بوبيان ، القرين للبتروكيماويات ، الأولى للوقود ، والسور للوقود ... إلخ ، ناهيك عن الاكتتابات التي تكون بمبادرة من القطاع الخاص ، والتي تصل إلى العشرات خلال كل عام .

      وبالرغم من بيع العديد من المستثمرين الصغار لأسهمهم فور إنتهاء عملية تخصيص الأسهم لهم ، وعدم العودة إلى البورصة إلا في مناسبة اكتتاب جديدة ، إلا أن المعظم الساحق من هؤلاء ، جذبتهم الأرباح السريعة والكبيرة ، وصاروا متداولين بشكل يومي حتى هذه اللحظة ، مما خلق شريحة عريضة من المتداولين تتكون من أعداد كبيرة من صغار المساهمين ، وبالرغم من كونهم أغلبية عددية ، إلا أنهم يمتلكون استثمارات  -من حيث القيمة  -لا تعادل إطلاقاً نسبتهم العددية ، وذلك كما هو الحال في جميع أسواق المال ، سواء المتطور منها أو الناشئ ، فعلى سبيل المثال ، إذا كانت نسبة إجمالي صغار المتداولين 90 % من إجمالي عدد المتداولين ، فإنه ربما يكون من المنطقي أن لا تزيد أموالهم عن 10  % من القيمة الرأسمالية للبورصة .

ظواهر وسلوكيات سلبية لصغار المستثمرين

      وبالرغم من إيجابيات دخول صغار المستثمرين لسوق المال ، والمتمثلة في رفع مستوى الثقافة الادخارية ، والمساهمة بالتنمية من حيث  ضخ الأموال في الشركات التي تقوم بمشاريع تنموية وذات قيمة مضافة ، إلا أنه يجب التحدث عن السلبيات الناجمة عن دخول أعداد كبيرة من هؤلاء إلى سوق المال ، والظواهر غير الإيجابية المصاحبة لذلك ، ومنها :

1 -عدم توقع الخسارة بقدر توقع الربح ، مما يؤدي إلى إحباطات وتداعيات نفسية مؤلمة ، تؤثر سلباً على القرار الاستثماري ، وذلك كما بدا واضحاً خلال العام 2006 ، حيث خسر معظم المتداولين الصغار ما يقارب 25 % من أموالهم في البورصة -في المتوسط -نتيجة توالي الأحداث العاصفة حينها ، وذلك رغم انخفاض المؤشر الوزني والسعري بمعدل 5 و12 % على التوالي في نهاية المطاف ، والذي يعتبر منخفضاً بكل تأكيد بالمقارنة مع خسائر صغار المستثمرين .

2 - الاندفاع نحو المضاربة السريعة غير المدروسة .

3 - انقسام الأغلبية الكبرى لصغار المتداولين ما بين مصدق لكل أو معظم الأخبار والشائعات اليومية ، وما بين من يتبنى نظرية المؤامرة ، أي عدم تصديق أي شيء ، بل اتخاذ القرارات بما يعاكس تلك الأخبار والشائعات .

4 - العزوف عن قراءة ومتابعة الإصدارات الرسمية للشركات المدرجة ، مثل التقارير السنوية والبيانات الصحفية والنشرات الدورية ، والذي يرجع إلى الكسل والإهمال المرتبط بشريحة معينة ، وانخفاض مستوى الثقافة الاقتصادية والاستثمارية  لشريحة أخرى .

5 -عدم التمحيص في تصريحات المسئولين عن الشركات المدرجة ، خاصة البرّاق منها والرنّان .

6 -العزوف عن حضور الجمعيات العمومية السنوية ، وإن تم هناك حضور ومساءلة ، فإنها تكون عادة دون إعداد جيد .

7 -عدم الإقبال على التعليم والتثقيف الذاتي ، من خلال قراءة الكتب المتخصصة ، أو المواقع الإلكترونية الموثوقة .

8 -عدم الإنفاق على حضور الدورات المتخصصة والمهنية ، والإقبال على الدورات الرخيصة غالبا ، والتي لا تزيد منافعها عن المبالغ المتواضعة المدفوعة لحضورها .

9 -الانسياق وراء ما تنشره وسائل الإعلام ، سواء كانت مقروءة أو مرئية أو مسموعة ، ناهيك عن الإنترنت ، وذلك دون تمحيص أو تدقيق.

     كما تجدر الإشارة في هذا الصدد ، إلى أنه بالرغم من الممارسات السلبية لشريحة كبيرة من صغار المتداولين ، إلا أن  هناك شريحة أخرى  - وإن كانت أصغر من الشريحة  الأولى - تحتوي على صغار المتداولين ، لكنهم على مستوى عالٍ من الثقافة الاستثمارية والممارسات المحترفة ، والقرارات المدروسة.

      من جهة أخرى ، فإنه على الرغم من أهمية الحفاظ على مصالح صغار المستثمرين ، فإنه من المؤكد أن جميع الإجراءات التي تتم لصالحهم ، يجب أن لا تضر بالشريحة الأخرى من المتداولين ، وهي فئة كبار المستثمرين ، كما لا ينبغي تصوير كبار المستثمرين دوما ، بأنهم مخطئون ومتلاعبون ويسعون للإضرار بمصالح  الصغار على وجه الإطلاق ، حيث يجب إنصاف جميع شرائح المتداولين ، لكننا نقر في نفس الوقت ،  بضرورة  التعاطف مع صغار المستثمرين ، نظراً لأعدادهم الكبيرة وقلة خبرات معظمهم ، وهو ما يجعل خسائرهم في العادة ، مؤثرة بشكل أكبر من الكبار ، في حال التدهور لأي سبب من الأسباب .

قصور التنظيم في سوق الكويت للأوراق المالية

       بالرغم من نقاط الضعف العديدة لدى صغار المتداولين ، إلا أن هنالك تقصيراً  - من وجهة نظرنا - من جانب إدارة السوق ، والتي تزيد من مَواطن الضعف لدى الصغار ، مما يعتبر أمراً مقلقاً للغاية . وتنقسم أوجه القصور من طرف إدارة السوق إلى جانبين رئيسين ، الأول ، ما يتعلق بالتداول ، والثاني ، ما يرتبط ببعض الإجراءات التنظيمية الأخرى ، وفيما يلي بعض النقاط الخاصة بالجانبين :

أولاً : بما يتعلق بالتداول

     يشوب التداول اليومي عدة سلبيات وقصور ، والذي لا يزال مستمراً منذ عدة سنوات ، وحتى في ظل الطفرات التقنية والهائلة في مجال تطوير الإجراءات  والنظم الخاصة بالتداول ، وفيما يلي بعض جوانب القصور المتعلقة بالتداول .

1 -التداولات المصطنعة ، وعلى سيبل المثال ، تداول سهم زين بمبلغ 1.7 مليار د.ك بتاريخ 18/04/2007 بما يعادل 25 % من رأسمالها ، وذلك بترتيبات مسبقة ، ودون الإفصاح عن أسبابها ومبرراتها ، ناهيك عن التداولات المصطنعة اليومية .

2 - الإقفالات اليومية المفتعلة .

3 - عدم وجود تداول يُذكر على مجموعة من الأسهم وبشكل مستمر .

4 - عيوب الوحدات الكمية ، وأيضاً سوق الكسور ، حيث لا يوجد مبرر منطقي لاستمرار ذلك الوضع ، إضافة إلى الضرر الكبير على المكتتبين بالشركات المساهمة العامة ، والذين لا يتوافر لديهم خيار إلا عرض أسهمهم بسعر واحد في سوق الكسور ، وهو سعر التداول .

5 - عدم العدالة في الارتفاعات والانخفاضات القصوى ما بين مختلف شرائح أسعار الأسهم ، حيث إن هناك أسهما معينة  ترتفع وتنخفض  بنسبة 10 % صعوداً وهبوطاً ، بينما تتحرك أسهم أخرى بمعدل 3 % كحد أقصى صعوداً وهبوطاً ، وبالتالي ، يجب اعتماد النسب المئوية الثابتة للجميع ، وإلغاء الوحدات السعرية  .

6 -ضرورة ربط طلبات الشراء وأوامر البيع بما يقابلها من الأرصدة لدى شركة المقاصة ، سواء كانت أرصدة أسهم أو أرصده نقدية ، وذلك بهدف القضاء على الأوامر الوهمية المتفشية حالياً ، والتي من شأنها تضليل جمهور المتداولين .

ثانيا : بما يتعلق بالإجراءات التنظيمية الأخرى :

      رغم كون سوق الكويت للأوراق سابقاً بشكل كبير جداً لجميع أسواق المنطقة من الناحية التاريخية ، بل إنه أول سوق مالي منظم في منطقة الخليج ، إن لم نقل في المنطقة العربية بكاملها ، إلا أن الأسواق الأخرى سبقته في الوقت الراهن وبمراحل كبيرة ، ولا نود أن نذكر أسباب تراجع سوق المال الكويتي من جميع الجوانب في هذا المقام ، لكننا سنركز  وباختصار على القصور في بعض الإجراءات التنظيمية  ، فمن ذلك :

1 - عدم وضوح معايير وشروط الإدراج ، وضرورة إلغاء المادة 15 من قواعد وشروط الإدراج ، والتي تعطي الحق للجنة السوق برفض إدراج أي شركة دون إبداء الأسباب .

2 - عدم إنصاف صغار المستثمرين أو حتى كبارهم ، والذين لا يدخلون في ترتيبات بيع الحصص الرئيسية ، وهو ما يطلق عليه صفقات الاستحواذ .

3 -عدم تجانس مكونات القطاعات الحالية ، حيث نرى خليطا من الأنشطة في معظم القطاعات ، فعلى سبيل المثال ، يحتوي قطاع الخدمات على شركات نقل وتخزين ومقاولات ، ونفط وتعليم وعقار وتقنية معلومات ، وتجزئة وزراعة.... إلخ ، والذي يجعل من الصعب جدا تقييم الوضع أو التنبؤ باتجاه أو مقارنة المعطيات للشركات المدرجة في القطاع الواحد .

4 -وجود شركات مدرجة غير مؤهلة للإدراج ، مثل التي تعمل في غير نشاطها الأساسي ، أو التي تفتقر إلى الأرباح التشغيلية ، وكذلك منخفضة التداول ، وذلك إلى درجة توريط من يقتني أسهمها ، ومعالجة ذلك يكون بتحويل تلك الشريحة من الشركات إلى السوق الموازي ، أو الإيقاف المؤقت لحين تعديل أوضاعها أو الشطب النهائي إذا اقتضى الأمر .

5 -عدم تطوير السوق الموازي ، بحيث يتميز السوق الرسمي عنه ، وذلك من حيث تأخير تسوية الصفقات التي تتم به ، وتخفيض المدى السعري لحركة الأسهم لتكون أقل من السوق الرسمي ، وذلك كون السوق الموازي يحتوي نظرياً على شركات أعلى مخاطرة من الشركات المدرجة في  السوق الرسمي ، نظراً للتساهل في شروط إدراجها في السوق الموازي .

6 - عدم متابعة إدارة السوق للإعلانات التي تصدرها بناء على المعلومات في الشركات المدرجة ، حيث يكون هناك توضيح جزئي عن موضوع معين ، بما في ذلك أن إدارة الشركة ستفيد إدارة السوق بالتغيرات والمستجدات الخاصة بذلك الموضوع ، وعندما يتحقق ذلك الموضوع بشكل أو بآخر ، لا تفيد تلك الشركة إدارة السوق بهذه المستجدات في كثير من الحالات ، كما ولا تتابع إدارة السوق مدى تحقق ذلك الموضوع في المواعيد التي حددتها الشركات المعنية في إعلانها المنشور رسمياً .

7 - عدم الإعلان عن نتائج الربع الرابع بشكل مستقل أسوة بالأرباع الأخرى ، حيث يتم إعلان نتائج السنة كاملة فقط ، والذي يناقض مبدأ الشفافية ، حيث تغيب فوائد كثيرة جراء ذلك التقصير ، وذلك لغرض تحليل الأداء والتعرف على أداء الربع الرابع بالمقارنة مع الأرباع الأخرى من نفس العام أو الربع الرابع من العام الماضي ،  حيث تقوم شريحة من الشركات عادة ، بإجراء تسويات مؤثرة في الربع الرابع ، لا يمكن رصدها بسهولة في حال عدم إعلان نتائجه بشكل منفصل عن نتائج العام ككل .

8 -الإفصاح عن حركة أموال المستثمرين الأجانب ، حيث يجب رصد حركة السيولة الأجنبية دخولاً وخروجاً ، وذلك بشكل أسبوعي على الأقل ، في سبيل التعرف على حجمها ، وبالتالي ، التنبؤ بتداعيات حركتها سواء كانت إيجابية أو سلبية ، خاصة بعد التسهيلات الضريبية الأخيرة للأجانب التي توفر بيئة  مواتية للسيولة الساخنة ، والتي يجب مراقبتها ، وذلك للحد من تداعياتها السلبية .

9  - عدم حماية حقوق جمهور المساهمين وخاصة صغارهم ، في مواجهة تضليل إدارات بعض الشركات لهم : حيث إنه نظراً لعدم وجود تشريع واضح وعقوبات رادعة ، استهتر القائمون على بعض الشركات بحقوق عموم المساهمين ، مما أدى إلى تكبدهم خسائر غير مبررة ، ومن تلك الحالات إعلان إحدى الشركات عن توزيع أسهم الخزانة على المساهمين مما دفع سعر السهم المعني إلى الأعلى وبشكل حاد ، رغم أن هذا الإجراء لا يتوافق مع القانون ،  وحتى مع معايير المحاسبة الدولية الواجبة التطبيق في الكويت ، وعليه ، فلم توافق الجهات الرسمية على التصرف المذكور ، وبالتالي ، تراجع السهم بشكل حاد متكبدا خسائر كبيرة وسريعة وغير مبررة ، وهناك مثال آخر وأكثر تأثيراً وخطورة ، وهو المتعلق بشبهة التزوير في الإعلان عن الأرباح غير المحققة ، حيث تم اكتشاف أن الأرباح غير المحققة لعام 2005 أكثر من المعلن رسمياً من جانب الشركات المعنية والتي كان عددها عشر شركات ، ولاشك بأن هذا الاكتشاف وقتها ، أطاح بالأسهم المعنية وبالسوق عموماً ، وذلك في نهاية الربع الأول 2006 ، نظراً لوصول درجة الثقة إلى أدنى مستوياتها ، حيث إنه كلما ارتفعت الأرباح الغير المحققة كان ذلك مؤشراً سلبياً لجودتها ، وبالتالي ، فإنه ، يشتبه بتعمد بعض الشركات المعنية تخفيضها الأرباح الغير محققة -خلافاً للواقع -لدعم أسهمها  في البورصة ، وهذا ما كان فعلاً ، وعندما تم اكتشاف أن الأرباح غير المحققة أعلى بكثير مما تم إعلانه ، هبطت الأسهم بشكل حاد نظرا لكون نسبة مؤثرة من أرباحها غير محققة ، وبالتالي ، فإنها معرضة للتبخر بسرعة وفي أي لحظة ، والمهم هنا ، أن إدارة السوق أعلنت أنها ستقوم بالتحقيق ، ومنذ ذلك التاريخ ، وحتى الآن ،  أي بعد مرور سنتين تقريباً ، لم تظهر نتائج ذلك التحقيق ، بل إن المؤلم -وهذا هو بيت القصيد  -أن إدارة السوق  دعت المتضررين إلى اللجوء إلى المحاكم ! فكيف يعقل أن يلجأ آلاف المتضررين إلى المحاكم وأكثرهم من الصغار !!  علما أن إجراءات التقاضي قد تكلفهم أكثر من أموالهم الموظفة في الأسهم ، ناهيك عن الفترة الزمنية الطويلة اللازمة لاسترجاع حقوقهم . لقد كان من الواجب أن تحل إدارة السوق محل المساهمين المتضررين ، وتحاسب الشركات المعنية إذا كانت مقصرة سواء إدارياً أو قانونياً ، كما يستلزم أن تقوم برد اعتبار المتضررين سواء أدبياً أو مادياً ، وهذا – للأسف - الذي لم يحدث إطلاقاً حتى يومنا هذا .

10 - عدم استبدال قانون الإفصاح أو تعديله أو حتى توضيحه ، وذلك بالرغم من العيوب الجسيمة التي تشوبه والغموض الكبير الذي يكتنفه ، والتي بدت واضحة للجميع بعد إشكالات تحييد مجموعة كبيرة من الملكيات الرئيسية في شريحة عريضة من الشركات المدرجة نهاية العام 2006 وبداية العام 2007 ، حيث نقترح أن يلغى معيار ملكية 5 %  فأكثر من رأس المال كأساس وحيد للإفصاح ، في مقابل استبداله بالإفصاح عن أكبر 10 ملاّك أيا كانت نسبة ملكيتهم ، على أن يتم ذلك تلقائياً بواسطة شركة التقاص التي يتوفر لديها يومياً نسخة محدثة يومياً لسجل المساهمين ، وذلك دون تدخل من جانب إدارة الشركة المعنية أو ملاّكها ، ويمكن تطبيق نسبة 5 % فأكثر من رأس المال في حالة وجود مصالح مشتركة مابين أكثر من مالك في الشركة المدرجة .

11 -أهمية إرشاد وتوعية المتداولين : نظراً لدخول أعداد كبيرة من صغار المتداولين إلى البورصة خلال السنوات الماضية ، حيث بات من المهم أن تقوم إدارة السوق بمجهود فاعل يتمثل في توعية وإرشاد هؤلاء ، وذلك عن طريق الموقع الالكتروني للسوق ، ومن خلال عقد ندوات إرشادية أيضاً ، بالإضافة إلى مطبوعات توعوية ، كما يمكن أن تقوم إدارة السوق بذلك المجهود بذاتها ، أو بالتعاون مع الجهات المحلية أو العالمية المتخصصة ، كما يمكن أن تكون تلك الأنشطة مجانية أو برسوم تغطي التكاليف كحد أقصى .

12 -  أهمية وضع قواعد واضحة ودقيقة لتداول " المطلعين " "insiders  " ، والذي يعتبر مطلباً رئيسياً من متطلبات الشفافية ، وتشمل قائمة " المطلعين "  عدة فئات ، منهم ، أعضاء مجلس الإدارة والشركات التي يمثلها أعضاء مجلس الإدارة ، وكذلك حركة أسهم الخزانة ، ناهيك عن كبار الملاك ، حيث تؤثر معرفة تلك المعلومات على قرارات التداول بشكل جذري لدى جمهور المتداولين .

13 - كما تظهر من وقت لآخر ،  إشكالات ونزاعات متنوعة ، وبعضها جذري وهيكلي ، من قبيل ماهية الكيان القانوني لسوق الكويت للأوراق المالية ، وهل هو حكومي ؟ أم هيئة حكومية مستقلة ؟  أم أنه يندرج تحت مسمى القطاع الخاص ؟ أم أنه قد يكون كيانا من نوع معين ؟ ... إلخ ، وكذلك حول الجدل عن إمكانية  أو مشروعية تأسيس بورصات أخرى جديدة ، إضافة إلى الأخذ والرد في موضوع حق الشركات المدرجة في تشكيل هيئة ليكون لها دور في صياغة القرارات التي تصدرها البورصة الحالية ، خاصة الإستراتيجية منها ، وغيرها من المواضيع الشائكة ، والتي لا يمكن حسمها إلا بوجود هيئة سوق المال بالشكل والمضمون المطلوبين . 

بعض الخطوات الإيجابية التي قامت بها إدارة السوق مؤخراً

     وفي سياق عرضنا للعديد من الانتقادات الموجهة إلى إدارة السوق ، فإنه يجدر بنا إبراز بعض الايجابيات التي قامت بها ، والتي تستحق التقدير رغم الرغبة في تحقيق المزيد منها ، وهي :

1 - إيقاف التداول أثناء الإعلان عن النتائج ، حيث كانت الممارسة السلبية السابقة تتمثل في إعلان نتائج شركة معينة بشكل مفاجئ أثناء تداول سهمها ، والذي يحدث اضطرابا  وبلبلة لدى المتداولين ، مما  يؤدي إلى تكبدهم خسائر غير مبررة في كثير من الحالات ، وذلك تبعاً للتذبذب الناشئ عن الإعلان المفاجئ .

2 -احتساب الفائدة أو الأرباح على قيمة التمويل لعقود البيوع المستقبلية والآجل ، وليس على كامل مبلغ الصفقة ، بما فيها الدفعة المقدمة ، والذي كان أمراً غير مبرر على   الإطلاق ، حيث ترتفع الفائدة الفعلية إلى أكثر من 30 % بالمقارنة مع المعلنة التي تتراوح ما بين 7 إلى 9 % وفقاً للتطبيقات السابقة .

3 -الإفصاح عن الإيرادات والمصروفات مع الأطراف ذات الصلة ، والذي يعتبر من المعطيات المهمة للمستثمر في تقدير مدى اعتماد الشركات على نفسها في توليد الإيرادات والأرباح .

4 -إصدار القرار رقم ( 4 ) لعام ( 2007 ) بشأن التواريخ المحددة لانعقاد الجمعيات العمومية السنوية وتوزيع الأرباح ، حيث كانت هناك ظواهر سلبية ملفتة وكبيرة في السابق ، متمثلة في تأخير عقد الجمعيات العمومية دون مبرر ، وكذلك تأخير منح الحقوق للمساهمين .

5 -تطوير الطاقة الاستيعابية لنظام التداول ، وذلك كما أعلنت عنه إدارة السوق بتاريخ 20/02/2008.

أسس هيئة سوق المال

    لاشك بأن أكبر وأهم مشكلة تواجه سوق الكويت للأوراق المالية هو غياب هيئة حقيقية لسوق المال ، وعندما نقول "هيئة حقيقية" فإننا نعني أنها ترتكز على أساسين مهمين :

أولاً : تشريع تتوافر به العناصر التالية: الشمول ، الوضوح ، العصرية ، ويتضمن عقوبات رادعة ، وتلحق به مذكرة تفسيرية متكاملة ولوائح تنفيذية دقيقة .

ثانياً : الفريق البشري الذي يطبق القانون ولوائحه وتنظيماته الأخرى ، حيث يجب أن يكون ذلك الفريق مستقلاً ومتفرغاً ومهنياً ، وعلى كفاءة عالية وحزم في اتخاذ قراراته ، وأن يكون مدعوماً بطاقم فني متمرس لجمع المعلومات والبيانات وإعداد البحوث والدراسات وتحليلها ، بالإضافة إلى جهاز قانوني محترف ، للتأكد من اتساق جميع الخطوات والإجراءات مع قانون هيئة المال والتشريعات المكملة له والقوانين المرتبطة به ، كما أن من البديهي أن يراعى في  تشريع هيئة سوق المال ، الفصل ما بين التشريع والرقابة من جهة ، والإدارة من جهة أخرى ، والذي يشكل غيابه حالياً أكبر المعوقات في سبيل الأداء المطلوب والتطوير المنشود .

غياب هيئة سوق المال مدعاة لتوليد الصراعات

     من المعروف أن غياب هيئة السوق المال والفريق المهني اللازم لإداراتها قد ولدّ العديد من الصراعات ما بين العديد من الأطراف المرتبطة بالبورصة الكويتية ، ومن تلك الصراعات ، النزاع مابين كل من :

1 - إدارة السوق ، والشركات المدرجة أو الشركات التي تطلب الإدراج .

2 - إدارة السوق ، والمتداولين .

3 - ملاك الشركات بين بعضهم البعض .

4 - الملاك  ، وإدارات الشركات .

5 - إدارة السوق فيما بينها .

6 - إدارة السوق ، والمؤسسات الحكومية ذات الصلة .

     حيث أنه بوجود هيئة لسوق المال يمكن تجنب معظم تلك الصراعات وادخار الجهود للتطوير وإتقان العمل وعدم إهدارها في تجاذبات وتنافرات ليس وراءها إلا التخلف والتدهور ، كما ينجم عن غياب هيئة مهنية لسوق المال مشاكل من نوع آخر ، والتي تساهم في تضليل المتداولين في البورصة خاصة صغارهم ، ومنها :

1 - الفوضى الصحفية في التعاطي مع شؤون البورصة ، وذلك من حيث التسابق في نشر الإشاعات والأخبار الغير دقيقة والكاذبة أحياناً ، وبالرغم من تفشي تلك الظاهرة بشكل كبير، إلا أنه لا يمكن تعميمها ، حيث إنها متفاوتة من صحيفة لأخرى ، كما تتفادى بعض الصحف  -وإن قلّت إلى حد بعيد -الدخول في هذا السباق المحموم ، والذي يتجه سلبا بكل تأكيد ، كما يجب أن لا نغفل دور بعض الصحف في كشف الحقائق وتثقيف المتداولين والحد من الفساد المرتبط بهذا الشأن .

2 - عدم تنظيم إصدار التقارير عن البورصة والتحليلات عنها وإصدار  التقييمات : حيث إن هذا المجال مفتوح على مصراعيه للأفراد والمؤسسات لإصدار التقارير والتوقعات والتقييمات وغيرها  من المواد المؤثرة في اتخاذ القرارات من جانب المتداولين ، حيث يجب تقنين ذلك الموضوع ، من حيث إصدار تراخيص للمؤهلين وفقاً لشروط معينة ، وبالتالي ، تجريم من يقوم بذلك العمل دون ترخيص .

3 - التصريحات من جانب المسؤولين عن إدارة الشركات المدرجة : حيث يلاحظ انتشار التصريحات غير المسؤولة من هؤلاء ، وذلك بقطع العهود والوعود للمساهمين ، ثم عدم الالتزام بها ، وكذلك إصدار تقييمات عن أسعار أسهم الشركات التي يديرونها ، والذي يعتبر ضرباً بعرض الحائط بمبدأ تضارب المصالح ، حيث تتردد تصريحات غير مسئولة من جانب هؤلاء المسئولين ، وذلك من قبيل أن سهم شركتهم مقوم بأقل من قيمته السوقية بكثير ، وهو مظلوم ويستحق سعر كذا وكذا  ، وأن من سيبيع السهم حاليا سيندم مستقبلا .... إلخ ،  وغيرها من التصريحات التي يجب منعها ، حيث إنه ليس من مهام المسؤولين عن الشركات التفنن بالترويج لشركاتهم ،  خاصة بما يتعلق بأسعار أسهمها في البورصة ، بل عليهم أن ينشغلوا في تنمية حقوق المساهمين وتحسين ربحية الشركات كونهم المؤتمنين على إدارتها وتطوير أعمالها ، وبالتالي ، ترك سعر السهم لآليات العرض والطلب والتفاعل مع المجريات الحقيقة لأداء الشركات ونشاطها ، وليس التصريحات المشبوهة للمسئولين عنها .

  4 -أهمية تحمل القائمين على الشركات المدرجة المسؤولية الكاملة عن سوء تصرفهم أو ارتكابهم للمخالفات والتجاوزات ، وذلك بشكل شخصي ، حيث يجب أن لا يتحمل عموم المساهمين أخطاء هؤلاء ، كوننا نرى في الواقع العملي تحميل المساهمين أخطاء  إدارة الشركات التي يمتلكونها ، وأن أقصى عقوبة للمقصرين هو استقالتهم أو إقالتهم ، وعليه نرى ضرورة الحد من هذا الوضع السائد وغير المنطقي الذي يساهم في استشراء الفساد ، وذلك نظراً لعدم وجود عقوبات رادعة وشخصية على المدراء المقصرين ، رغم الرواتب والمكافآت والمزايا الكثيرة التي يتقاضونها مقابل إدارتهم للشركات المدرجة .

احتكار شركة واحدة للتقاص

      بالرغم من عدم نشوء مشاكل جذرية ومفاجئة كبرى ظاهرة للعيان جراء احتكار شركة واحدة لخدمات التقاص في سوق الكويت للأوراق المالية ، فإن ذلك لا يعني أن الوضع القائم مثالي أو طبيعي أو سليم ، حيث نعتقد أن  من الأهمية القصوى إدخال منافس آخر على الأقل في هذا المجال ، وذلك لتحقيق عدة مزايا منها :

1 - تطوير خدمات التقاص ، حيث إن الاحتكار يعطل التطوير والابتكار ، وهنالك أمثلة واضحة لا حصر لها في هذا الصدد، والتي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أهمية توافر عنصرا المنافسة والمبادرة لتحقيق التقدم في جميع المجالات .

2 -  تخفيض المخاطرة المرتبطة باحتكار شركة واحدة ، حيث إنه عند توقف تلك الشركة لأي سبب من الأسباب ، تتوفر مخاطرة كبرى متمثلة في  تعطيل تداول الأوراق المالية  بالكامل ، نظراً لارتباطه بشكل تام  بشركة واحدة فقط ، كما يمكن للشركة الثانية في هذه الحالة  إدارة عمليات الشركة الأولى مؤقتاً لحين استئناف نشاطها .

3 - كما توجد مصالح أخرى لكسر الاحتكار ، ومنها تخفيض رسوم التقاص ، وخلق الفرص الاقتصادية  لإدارة الشركات الكويتية للتقاص لنظم تقاص في دول أخرى وتوسيع أعمالها ، وذلك على غرار التجربة الناجحة والمثالية لوجود أكثر من شركة اتصال متنقل في الكويت .

خاتمة

       وفي الختام ، نأمل أن نكون قد قدمنا من خلال هذه الورقة تصوراً واضحاً للإشكالات التي يعاني منها سوق المال الكويتي ، واقتراحات لحلول تلك الإشكالات ، وذلك في سبيل تطوير سوق الكويت للأوراق المالية ، والحد من المعوقات التي تعترضه ، والتصدي للمفاجآت غير الإيجابية التي تظهر من وقت لآخر ، على خلفية القصور التشريعي والإداري الحالي .

     ولاشك بأن هذه الورقة المتواضعة ، مبنية على رأينا ، وعلى اجتهادنا والذي قد يجانبه الصواب من وجهة نظر الآخرين ، والذين نكن لهم الاحترام والتقدير ، وذلك  على الرغم من الوقت والجهد المبذول لإعداد هذه الورقة ، والتي أعدت لتكون  وثيقة مهمة من وثائق المؤتمر ، وتحت تصرف من يريد التطوير والإصلاح ، بالرغم من  أنها لا تشمل جميع الشئون والشجون المتعلقة بالبورصة ، ولا جميع وسائل النهوض بها ، حيث إنّ نطاق الورقة محدد ضمن الإطار المكلفين به ، والوقت المتاح لنا كذلك ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن كلا منا معرّض للسهو والغفلة عن نقاط ومواضيع قد تكون جوهرية ومفصلية ، إلا أننا نتمنى أن نكون قد وفقنا في مشاركتنا هذه ، رغم ما قد يعتريها من قصور .

        كما نتقدم بالشكر الجزيل للسادة / شركة مركز إكسبرت العالمي للاستشارات والتدريب ، على منحهم الثقة لنا في تقديم رؤيتنا لسوق المال الكويتي ، وذلك من خلال هذا المؤتمر الجدي الذي نتمنى له الاستمرار مستقبلاً في تقديم الأطروحات الجدية لإصلاح وتطوير سوق المال الكويتي ، راجين ومتفائلين في أن تلقى ورقتنا صدى لدى كل مسئول ومؤتمن على هذا المرفق الحيوي والحساس .

 

                                                                                                                   ناصر سليمان النفيسي

                                                                                                                     المدير العام 

                                                                                                                  مركز الجُمان للاستشارات الاقتصادية